لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

في هذا المقال يتناول د. يوسف أبو عواد موضوعًا بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في مدلولاته: لماذا يذكر القرآن بني إسرائيل بهذا القدر من التكرار؟ ماذا يقصد بعبارة “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا”؟ كيف نفهم قوله تعالى: “إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها…” في سياق هذه الآيات؟ سأحاول هنا أن أقرأ هذه النصوص بحس تأملي ونقدي، مستندًا إلى المعاني اللغوية والنصية والمنهج التأويلي الذي يستوعب مرجعيات متعددة، وأعرض بعض الاحتمالات التي تفتح الآية على تفاسير مفيدة للبشر أجمعين، لا لبني إسرائيل حصراً.

جدول المحتويات

مخطط المقال

  • مقدمة: لماذا يبدو أن القرآن يتحدث كثيرًا عن بني إسرائيل؟
  • النصّ ومواضعه: قراءة مبسطة في آية السّورة (الإسراء) وما يرافقها من نصوص
  • من هم “بنو إسرائيل” في القرآن: معنى لفظي وتوسعي
  • ما معنى “لتفسدن في الأرض مرتين”؟ تفاسير واحتمالات
  • العلاقة بين فكرة الخلافة ووقوع الفساد: لماذا يحدث الفساد؟
  • التأويل العملي: ماذا يريد النص أن يعلّمنا كبشر؟
  • خاتمة: درس عام للبشرية من آيات بني إسرائيل
  • أسئلة متكررة وإجابات موجزة (FAQ)

مقدمة: لماذا يبدو أن القرآن يتحدث كثيرًا عن بني إسرائيل؟

يعبر كثيرون عن دهشتهم من كثرة إشارات القرآن إلى بني إسرائيل: لماذا هذا الاهتمام؟ هل القرآن موجه خصيصًا لجماعة بعينها؟ أم أن ثمّة غرض أعمق؟ حين نتمعن في النصوص القرآنية نجد أن ذكر بني إسرائيل ليس تكرارًا عشوائيًا، بل جزء من أسلوب قرآني في مخاطبة البشر على نحوٍ تاريخيٍّ ومجتمعيٍّ ومعرفيّ.

القرآن يتعامل مع التاريخ كنموذج، ومع قصص الأمم السابقة كعبرة تُعرض أمامّ البشرية كلها. فبنو إسرائيل أبرز الأمم التي ورد ذكرها تفصيلاً في النصوص لأنهم شهدوا سلسلة من الرسالات، وأرسِل إليهم أنبياء كثيرون، وحصل في تاريخهم تجارب واضحة في الطاعة والعصيان، في السلم والحرب، في النهوض والانحدار. لذلك تصبح تجربة بني إسرائيل مادةً قرآنية لبيان حكم عامة: كيف تستجيب الشعوب للرسالة، وما نتائج الطاعة والعصيان، وما سنن الله في الكون الإنساني.

بعبارة أخرى: القرآن لا يتحدث عن بني إسرائيل “لأنهم هم فقط”، بل يتحدث عنهم لأنهم نموذج بشريّ واضح يمكن أن تُستخلص منه دروس عامة تصلح لكل بشر، بما في ذلك من يؤمنون اليوم ومن لا يؤمنون.

النص ومواضعه: قراءة مبسطة في الآية وما يرافقها

الآية المعنية في سورة الإسراء تقول حرفيًا – بترتيب مفرداتها الذي يُثير تساؤلات – إن الله قضى في الكتاب إلى بني إسرائيل “لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا”. هذه العبارة تختزل مشهداً تاريخيًا وفلسفيًا: وجود ميثاق، إرسال أنبياء، ثم وقوع فساد/انحراف في الأرض بمرتين على الأقل، وظهور غطرسة وعلوّ.

يأتي بعدها قول آخر في السورة: “إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها…” وهذا تكملة منطقية: يربط القرآن بين الفعل الجزائي والنتيجة المباشرة على الذات والمجتمع. وهو في نفس السورة يذكر أن الله قد بعث فيهم عيسى عليه السلام وبعث فيهم أنبياء ورسلًا بعد موسى؛ أي إن التاريخ النبوي داخل بني إسرائيل هو جزء من القصة التي تُعرض كدرس.

لا تنتهي الآيات عند السرد التاريخي وحده، بل تمتد لتكون تأملاً في طبيعة الإنسان والمجتمع: حين أُعطي الإنسان حرية الإرادة والقدرة على التملك والسكن في الأرض فإنه من الطبيعي أن تظهر آفاق للفساد؛ وهنا تأتي الآيات لتؤكد أن وقوع الفساد ليس أمراً مفاجئًا أو معيبًا في ذات النص، بل هو متوقع بمقتضى سنن الحياة الإنسانية، وهو ما يقتضي منّا دروسًا في المسؤولية والعودة والتوبة.

من هم “بنو إسرائيل” في القرآن: معنى لفظي وتوسعي

لفظ “بنو إسرائيل” يعني حرفيًا أحفاد يعقوب – إسرائيل- الذين صار لهم موقع تاريخي واضح. لكن في الخطاب القرآني قد يتجاوز الإحالة الحرفية لتصل إلى مدلول أوسع: “أمة أو مجموعة من الناس الذين تلقوا رسالات وأنذروا ورأوا آيات”. في كثير من الآيات، تتعامل النصوص مع بني إسرائيل كمجموعة غنية بالتجارب النبوية، ما يجعلها نموذجًا لتقدير كيفية تعامل الشعوب مع الوحي.

يمكن أن تُقرأ عبارة “بنو إسرائيل” بنحوٍ تمثيلي: أي أن التجربة المعاشة عليهم تمثل تجربة “أمة الكتاب” أو “شريحة بشرية” مرَّت بتجارب مماثلة. لذلك لا يلزم أن تكون كل إشارة إلى بني إسرائيل موجهة حصريًا لأتباع بني إسرائيل التاريخيين؛ بل قد تكون موجهة إلى كل بشر يمرّون بمثل ظروفهم من التلقي والتقصير والتمكين ثم الفساد.

في التصوّر التأويلي؛ هذا يتيح للآيات أن تكون جامعة في مخاطبتها: هي تُخبر بني إسرائيل بتاريخهم وتُخبر البشر عمومًا بسنة الله في تاريخ الأمم. فالإحالة النصية هي إلى مجموعة محددة بيانًا، لكنها إشارة عامة للإنسان بصفته خليفة ومُخلفًا على الأرض.

ما معنى “لتفسدن في الأرض مرتين”؟ تفاسير واحتمالات

عبارة “مرتَّين” في اللغة العربية تحتمل دلالات متعددة: قد تُقصد بها حرفيًا مرتين نظاميتين ومحدودتين، وقد تُقصد بها تأكيد وقوع الفساد وتكراره، أو قد تعني وقوعه في صورتين أو على مرحلتين أو بمقياسين مختلفين. دعونا نعرض الاحتمالات الرئيسية والاجتهادات الممكنة في فهم هذه النكرة النصية.

1. قراءة حرفية: فسادان تاريخيان محددان

وفق هذه القراءة، الآية تشير إلى وقوع فسادين واضحين في تاريخ بني إسرائيل، ويمكن أن يكون القارئ هنا متجهًا إلى أحداث تاريخية مهمة: مثلاً انقسام المملكة بعد عهد داود وسليمان إلى مملكة شمالية وجنوبية ثم السقوط والتشرد (نحو غزو الآشوريين والبابليين)، أو إلى محطات أخرى من الانحراف الجماعي. بهذا المعنى تصبح “مرتين” إشارة إلى حدثين تاريخيين كبيرين تلاحقا مسبِّبين للانحراف والفساد.

هذه القراءة لها منطقية تاريخية: تاريخ بني إسرائيل تضم محطات سقوط ونفي وانقسام وفتن. لكن المشكلة هنا أنها تقيد معنى الآية بوقائع تاريخية محددة، بينما النص القرآني غالبًا ما يستعمل الوقائع التاريخية كرموز ودرر عبرية عامة.

2. قراءة تكرارية نمطية: “مرتان” بمعنى التكرار أو التضخيم

أوردت اللغة العربية كثيرًا استخدام رقم “مرتين” كطريقة بلاغية لتأكيد الحدوث والتكرار، لا بالضرورة للإحصاء الفعلي. ففي هذا المنحى، يُفهم “مرتين” كدلالةٍ على أن الفساد قد يتكرر دون أن يكون محصورًا في عدد محدد. أي أن هناك دورة تكرارية للفساد في المجتمعات حين تستتر الحريات والقدرات بدون تقوى أو ضابط أخلاقي.

القرآن في آيات أخرى يستخدم الأرقام لأغراض بلاغية؛ لذا هذا التفسير يحافظ على عمومية العبرة: أن الفساد شأن متكرر في تاريخ البشرية، وبني إسرائيل في هذه الآية نواة لعرض هذا النمط.

3. قراءة رمزية: مرحلتان أو وجهاً للفساد

قد تشير “مرتان” إلى نوعين أو وجهيْن للفساد: فساد معنوي داخلي (انحراف في الإيمان والأخلاق) وفساد خارجي عملي (عدوان وإفساد في الأرض بسفك الدماء والظلم). بهذا تصبح الآية مفصّلة بلا تحديد دقيق: الآفة الأولى إخفاق داخلي، والثانية تجلٍّ عملي للعقاب الإلهي أو لنتيجة ذلك الانحدار.

تدعم هذه القراءة النصوص الأخرى التي تذكر كيف أن انحلال العقيدة غالبًا ما يسبق الفساد العملي: إذا غابت القيَم صار الطمع والظلم سائدًا.

4. قراءة عامة من خارج النص: “مرتان” كدلالة على بداية ونهاية دورة

يمكن أن نفهم أيضاً “مرتان” على أنها اشارة إلى سياسات تاريخية أو محطات – بداية طغيان ثم مصادرة ثم بداية إصلاح لاحق – بمعنى أن التاريخ يمضي في دورات حيث يسبق الطغيان فترة انعطاف أو تصحيح. لذا “مرتان” هنا قد تعني وقوع انحرافين رئيسيين في إطار دورة تاريخية طويلة.

جميع هذه القراءات تفتح الآية على معانٍ متعددة، وهذا من خصائص النص القرآني الذي يحتمل مستويات تفسيرية: اللفظي، التاريخي، البلاغي، والرمزي.

العلاقة بين فكرة الخلافة ووقوع الفساد: لماذا يحدث الفساد؟

في نصوصنا المأثورة ورد سؤال الملائكة عندما أخبرهم الله بأنه سيجعل في الأرض خليفة: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء…”؛ هذا السؤال ليس مجرد اعتراض بل تعبير عن فهم لنتيجة منح الإرادة والمكانة للإنسان. فالمنح يكون مشروطًا بأن للإنسان قدرة على الاختيار، وهذه القدرة تحمل في طياتها احتمال الإحسان واحتمال الإساءة.

الخلْق كخليفة يستلزم قدرة على التغير والغلبة والتحكم في الموارد، وهو ما يجعل من الوجود البشري ساحةً لاحتمالاتٍ متباينة: من العدل إلى الظلم، ومن الإحسان إلى الإفساد. إذًا الفساد ليس شذوذاً كاملاً بعيدًا عن الطبيعة البشرية، بل هو احتمال مترتب على خصائص الإنسان الحرة.

وهنا يتحقق الربط بين الآيتين: النص الذي يذكر “وقضينا إلى بني إسرائيل…” لا يَعزي الفساد إلى نقمة عشوائية بقدر ما يوضح أنه نتيجة طبيعية لمنح الإرادة والقدرة دون تقوى أو ضابط أخلاقي. وعندما يقول القرآن “إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها” فإنه يضع أساس الموازنة: الحل والتصحيح بيد المجتمع نفسه وبصدره، والنتيجة تعود عليهم، لا على الله بالظلم.

هل الرسل الذين أرسلوا فيهم كانوا من بني إسرائيل؟ وما شأن “بعثنا عليكم عبادا لنا”؟

في سياق عرضنا للنص وردت إشارات إلى أن كل الأنبياء بعد موسى أرسلوا إلى بني إسرائيل، ومن بينها المسيح عيسى عليه السلام. وهذا يعني أن بني إسرائيل تلقوا سلسلة من الرسالات التصحيحية. لكن هناك أيضاً آيات وردت في القرآن يفهم منها أن الله قد “بعث عليهم عباداً لنا” كعقاب أو اختبار؛ والسؤال الذي يثار هو: هل هؤلاء العبيد (العقابيون) من بني إسرائيل أنفسهم أم من خارجهم؟

النص القرآني نفسه قد يبوح بالاحتمالين: فالعادة القرآنية أنه قد يُبعث عقاب أو اختبار على أمة بطبائعهم، وقد يأتي من داخلهم (قوى داخلية من أبنائهم) أو من خارجهم (أعداء أو قوّة خارجية). لا يلزم النص أن يحدد الجنسيّة دائماً. بالتالي من الممكن أن يكون “عباداً لنا” من بني إسرائيل إن حصل الانحراف الداخلي بحيث يبرز من بينهم من يجعلهم عرضة للتمكين والفساد، أو أن يكونوا قوة خارجية أثبت الله بها محنة ليفهموا عاقبة مخالفتهم للحق.

الأهم من إثبات جنسية من بعث عليهم هؤلاء العباد هو الدرس الأخلاقي: المعنى القرآني أن القوة والتمكين إذا لم يصطَفَ بها التقوى والقيم ستنتج فساداً وعقاباً. وهذا درس عام لجميع الأمم.

قراءة تاريخية: أمثلة من التاريخ تساعد على استيعاب الفكرة

عندما نحاول توطين “مرتين” في واقع تاريخي فإنّنا نجد لدى بني إسرائيل أمثلة لانتكاسات متعددة: الخروج من طاعةٍ إلى عصيان، ثم انقسام سياسي أدّى إلى ضعف ثم احتلال ونفي، ومن ثم عودة ثم انزلاق آخر. مثل هذه الدورات التاريخية تجعل مقروئية “مرتين” معقولة على نحوٍ حرفي. لكن حتى إن لم نربطها بأحداث بعينها، فإن الذكر القرآني يظلّ نافعةً لأنّه يقدّم نموذجًا لديناميات التاريخ البشري:

  • فترة تستقبل فيها الأمة رسالة وتترسخ فيها قيم.
  • ثم تطرأ انحرافات داخلية تقوّض القيم.
  • يترتب على ذلك فسادٌ عمليّ (ظلم، قهر، سفك دماء، استحواذ على الموارد).
  • تتكرّر الدورة أو تتعدّد صور الفساد، فتبرز الحاجة إلى إصلاح أو إنذار أو عقاب إلهي.

هذا النموذج ليس مقصورًا على تجربة بني إسرائيل فحسب، بل يُقرأ كقاعدة في سجل الأمم؛ ولذلك كانت الإشارات القرآنية مفيدة وقابلة للتطبيق العام.

الآية في إطار الخطاب القرآني الشامل: من الخصوصي إلى العام

من سمات الخطاب القرآني أنه ينتقل بين الخاص والعام بسلاسة: قد يذكر قضية معينة في تاريخ أمة، ثم يستنبط منها قاعدة عامة صالحة لكل زمان ومكان. هذا الأسلوب يخدم وظيفة النص الدعوي: إعطاء الإنسان عبرة تاريخية قابلة للاستخدام لتحفز على التوبة والإصلاح.

بذلك، ذكر بني إسرائيل يصبح دعوة لكل إنسان: “انظروا إلى ما حلّ بمن ذهبوا في طريق الفساد، وتعلموا أن الحكم الأخلاقي في الحياة ينعكس على أوضاعكم”. الآيات التي تذكر الجزاء القريب “إن أحسنتم…” تذكرنا بالمسؤولية الفردية والجماعية: ليس المطلوب أن ننتظر تدخلًا خارجيًا، بل المطلوب منّا أن نصلح لأنفسنا ومجتمعاتنا.

أسئلة تأويلية نقدية: هل الآية تضع تهمة عامة على بني إسرائيل؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين: الآية تعرض حقيقة تاريخية – بحسب قراءة النص – لكنها لا تجمع كل بني إسرائيل في تهمة واحدة دائمة. القرآن نفسه يذكر من بني إسرائيل من كانوا أوتادًا في الخير ومنهم من عُرِف بالتقصير. لذا لا يمكن تبني تعميم مَهَمل يُنسب إلى جماعة كاملة. بل النص يقدّم عبرة تاريخية، وليس تشهيرًا أبديًا.

وبنفس المنطق، فالقراءة التي تفترض استهدافًا خاصًا ببني إسرائيل دون أي عبرة إنسانية أعمّ، تقصّر في فهم معين لطبيعة الخطاب القرآني: المذكورون في النص يتمّ عرضهم كنماذج لتعليم كل البشر.

التبعات الأخلاقية والعملية لهذه القراءة

إذا تقبلنا أن الآية تعلّم درسًا عامًّا، فالتبعات العملية واضحة:

  • أولًا: مسؤولية اليوم تقع على الجميع: إن إعطاء صلاحيات وسلطات لطبقة بشرية يتبع عادةً اختباراً لمقادير التقوى. لذا ضرورة وجود ضوابط أخلاقية ومؤسسات تقنّن عملية التمكين.
  • ثانيًا: الفساد ليس مجرد قضية أخلاقية شخصية، بل هو قضية مؤسسية وتاريخية؛ يحتاج الإصلاح إلى استراتيجيات جماعية.
  • ثالثًا: التوبة والعودة ممكنتان دائمًا: الآيات التي تتلوها تقدم أفق الرجاء “عسى ربكم أن يرحمكم” وربط العودة بالعمل الصالح.
  • رابعًا: قراءة التاريخ بوصفه درسًا لا انتقامًا: استخدام قصص الأمم السابقة يجب أن يوجّهنا إلى تصحيح المسارات، لا إلى التحامل على جماعات معينة.

آفاق تطبيقية: كيف نقرأ هذه الدروس في عالمنا المعاصر؟

في زماننا المعاصر، كثير من المجتمعات تواجه إغراءات مماثلة لتلك التي واجهت بني إسرائيل: وسائل تتيح التملك والتحكم، ثروات تعزز القوة، ونظم سياسية تخلق تفوقًا لبعض الفئات. الفهم القرآني هنا يساعدنا على صياغة قواعد أخلاقية وسياسية توازن بين حرية الفعل وضرورة الضبط القانوني والقيمي.

بعض التطبيقات العملية:

  • الاهتمام ببناء مؤسسات شفافة تمنع احتكار السلطة والموارد.
  • تعزيز ثقافة المساءلة والمحاسبة التي تقف في وجه أي ميل للفساد.
  • تنمية التربية الأخلاقية التي توازن بين الحرية والمسؤولية.
  • قراءة التاريخ كمخزون تربوي يساعد الشعوب على تفادي أخطاء الماضي.

خاتمة: درس عام للبشرية من آيات بني إسرائيل

الآية التي تشير إلى “قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين” تحمل أكثر من معنى واحد. بلاغيًا، هي تذكير بسنن التاريخ: أنه عندما يُمنح الإنسان مكانة وقدرة فإنه قد يذهب في اتجاهين متعاكسين؛ إما أن يبرَز فيها الخير وينتصر، أو أن تعمّه الغطرسة والفساد. وبنصّها، هي أيضًا دعوة لمن يسمعها اليوم: إن التاريخ يعلمنا عبر أمثلة سابقة. وبما أن النص لا يكتفي بالسرد بل يضيف قاعدة مسوَّغة أخلاقياً (“إن أحسنتم… وإن أسأتم…”) فإنه يضعنا أمام مسؤولية شخصية وجماعية لتصحيح المسار.

من هذا المنطلق، الحديث القرآني عن بني إسرائيل كثيف لأنهم كانوا نواة سردية وعبرية تبيّن سنن الله في تعاملاته مع الأمم. لكن الدرس ليس مقتصرًا عليهم؛ بل هو متاح لكل إنسان يريد أن يتعلم من التاريخ لئلا يكرر أخطاءه. وإضافة لذلك، فإن القرآن لا يترك القارئ محكومًا بجبر تاريخي: هو يذكر الرحمة وفرص الرجوع، ويؤكد أن الإنسان مسؤول عن نتائج أفعاله، وأن الإصلاح ممكن دائمًا.

أسئلة متكررة (FAQ)

1. هل القرآن يتحدّث عن بني إسرائيل لأنهم هم فقط مهمون؟

لا. القرآن يذكر بني إسرائيل كمثال تاريخي بارز لأنهم تلقوا سلسلة من الرسالات ومرّوا بوقائع صريحة تعطي دروسًا واضحة. لكنه يستخدم قصصهم لتعليم البشرية عامةً، وليس لتفضيلهم على سائر البشر.

2. ماذا يقصد بعبارة “لتفسدن في الأرض مرتين”؟ هل المقصود حرفيًا مرتين فقط؟

العبارة تحتمل عدة قراءات: قد تكون حرفية تدل على وقوع فسادين تاريخيين محددين، وقد تكون بلاغية تدل على تكرار الفساد وسنته، أو رمزية تشير إلى طبعين للفساد (داخلي وخارجي). النص لا يلزم معطى واحدًا فقط، وهو ما يفتح الباب للتأمل.

3. هل “مرتين” تُحدّد عدد المرات في التاريخ؟

ليس بالضرورة. كثيرًا ما يُستخدم الرقم في العربية للتأكيد أو للتبيين، وليس دائمًا للعدّ الحرفي. لذا ليس من الضروري أن نقرأها كجلسة إحصائية محدودة.

4. من هم “العباد” الذين بعثوا عليهم؟ هل هم من بني إسرائيل أم من خارجهم؟

النص لا يحدد جنسية هؤلاء العبّاد بشكل قاطع. قد يكونون من داخل المجتمع نفسه كمظهر للعقاب الذاتي، وقد يكونون قوى خارجية أُجبرت بها الأمة على المحنة. الفكرة الجوهرية ليست جنسيتهم، بل أن العاقبة نتيجة لامتداد الفساد وتأثيره.

5. ماذا نستفيد عمليًا اليوم من هذه الآيات؟

نستفيد إدراكًا بأن الحرية والتمكين تحتاج إلى ضوابط أخلاقية ومؤسساتية، وأن التاريخ يقدم دروسًا يمكن أن تحمينا من تكرار الأخطاء. كما يُذكرنا النص بأن الفرص متاحة للتوبة والإصلاح وأن الجزاء غالبًا ما يعود على الذات.

6. هل الآيات تبرئ أو تُحمّل بقية الأمم مسؤولية مماثلة؟

الآيات لا تبرئ أحدًا ولا تُحمّل آخرين حصراً؛ بل تعرض مبدأ عاماً: أن الإنسان مع قدرته على الفعل معرض لأن تكون حصيلة هذا الفعل إما بناءً وإما فسادًا. وهذه قاعدة تنطبق على كل البشر.

7. كيف أقرأ هذه الآيات في ضوء منهج تفسير معاصر؟

يمكن قراءتها بمنظور تأويلي يجمع بين المعنى النصي والتطبيق العام: استيعاب السياق التاريخي لنمذجة العبرة، والاستفادة الأخلاقية والسياسية للمجتمعات الحديثة. إن الجمع بين اللفظي والوظيفي للنص يساعدنا على توظيف الآيات في الإصلاح الاجتماعي والسياسي.

ختامًا

قراءتنا لآيات بني إسرائيل ليست مجرد تفريغ لسجل تاريخي، بل هي محاولة لاستخلاص قاعدة فكرية وأخلاقية: أن الحياة الإنسانية مبنية على احتمالات، وأن المنح الخلقية للوطن والسلطة والقدرة تتطلب ضوابط أخلاقية. الآية التي تقول “وقضينا إلى بني إسرائيل…” تلخّص هذا المعنى وتقدّم لنا، إن نحن تأملناها بإنصاف، فرصة للتعلّم والعمل. ولعل أجمل ما في هذه الرسالة أنها لا تُحكم على أحد بصورة نهائية، بل تترك دائمًا باب الرجعة والرحمة مفتوحًا “عسى ربكم أن يرحمكم”؛ أي أن العمل والعودة ممكنان، والدرس في متناول أيّ إنسان يريد أن يتعلّم.

انضم إلى قناة سدين على يوتيوب

حيث نطرح أفكارًا جديدة، ونفكك الموروث، ونعيد قراءة النصوص الدينية بعيون العقل والعلم


👉 اضغط هنا للانتقال إلى القناة

 

Share >>

مواضيع متميزة

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

في هذه المادة أتحدث معكم كمتابع وكداعية لنقطة أساسية قد يغفل عنها كثيرون: الصلاة ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة تقود إلى غاية أعمق وأسمى.…

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

في هذا المقال يتناول د. يوسف أبو عواد موضوعًا بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في مدلولاته: لماذا يذكر القرآن بني إسرائيل بهذا القدر من التكرار؟…

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

جدول المحتويات مقدمة في هذا المقال أقدم قراءة موسعة ومستفيضة لما طرحه الباحث د. وحيد بو عزيز في عرضه على قناة مجتمع Mujtama، حيث كشف…

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

في هذه المقالة أقدّم قراءة مركّزة ومفصّلة لكتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم” للمفكر الراحل الدكتور محمد شحرور. هدفي هنا أن أنقل أفكار الكتاب بلغة واضحة،…

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

جدول المحتويات مقدمة: لماذا هذا الحديث مهم ومن يتحدث؟ في هذه المادة أعرض خلاصة حديثي مع محمد الحداد حول “الإمكانات الموجودة لخنق الاحتلال”. أتحدث هنا…

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

في هذا المقال أتحدث الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن،  في تاريخ القضاء والشريعة في مصر: كيف وأسباب تعيين مفتي في مصر لأول مرة…

اشترك معنا ليصلك كل جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Toggle Dark Mode