في هذا المقال أتحدث الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن، في تاريخ القضاء والشريعة في مصر: كيف وأسباب تعيين مفتي في مصر لأول مرة تاريخياً، ولماذا لم يُعَيَّن هذا المفتي ليفتي عامة الناس بل ليُفتي للقضاة فقط؟ سأعرض الحدث التاريخي من سنة 1517 وصولاً إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأناقش السياق السياسي والديني الذي أحاط بهذه الخطوة، مع تفسير لآثارها وتداعياتها على الفقه والعدالة في مصر.
جدول المحتويات
- مخطط المقال
- مقدمة: لماذا أهمية قصة المفتي في مصر؟
- الخلفية التاريخية: ماذا حدث في عام 1517؟
- الادعاء الديني: “جئنا من أجل الإسلام” بين الخطاب والواقع
- لماذا تم اختيار الفقه الحنفي؟ التوحيد القضائي والسياسة المذهبية
- تعدد الآراء داخل المذاهب: لماذا التوحيد صعب عملياً؟
- مشكلة التباين القضائي وحلول الدولة: ما الذي دفع لتعيين مفتي؟
- قصة تعيين المفتي في مصر: من 1895 إلى مفتٍ مستقل في 1900
- محمد عبده: أول مفتي مستقل ومفارقات الفتوى
- تحليل نقدي: ماذا تعني هذه القصة لحرية الفقه واستقلال القضاء؟
- أمثلة وتوضيحات: كيف تتجلى المشكلة على مستوى القضايا اليومية؟
- الدروس التاريخية: ما الذي نستفيده اليوم؟
- خلاصة: بين النوايا والنتائج
- الأسئلة الشائعة (FAQ)
- خاتمة: دعوة للتأمل والعمل
مخطط المقال
- مقدمة وخطوط عامة
- الخلفية التاريخية: السلطنة العثمانية واحتلال مصر سنة 1517
- الادعاء الديني: “جئنا من أجل الإسلام” بين الخطاب والواقع
- لماذا تم اختيار الفقه الحنفي؟ التوحيد القضائي والسياسة المذهبية
- تعدد الآراء داخل المذاهب: لماذا التوحيد صعب عملياً؟
- مشكلة التباين القضائي وحلول الدولة: دور المفتى
- قصة تعيين المفتى في مصر: 1895 ـ 1900 ـ 1905
- قضية محمد عبده والفتوى المثيرة للجدل
- تأثير هذه الخطوات على الفقه والعدالة في مصر
- خاتمة وتأملات
- الأسئلة الشائعة
مقدمة: لماذا أهمية قصة المفتي في مصر؟
تبدو مسألة تعيين مفتي في دولة إسلامية كموضوع شكلي أو إداري، لكنها في الواقع مفتاح لفهم علاقة السلطة بالدين، وكيف تتشكل القواعد القانونية التي تحكم المجتمع. من خلال هذه القضية يمكننا أن نرى كيف تستغل السلطات الخطاب الديني لأهداف سياسية، وكيف يمكن لتغييرات تنظيمية مثل “تعيين مفتي” أن تعيد تشكيل ملامح القضاء والشريعة في بلد بأكمله.
أنا هنا لأعرض لكم ما قلتهُ وأكثر: أن الدولة العثمانية حين حضرت مصر لم تكن غريبة عن هذه الحسابات، وأن قرارات صغرى مثل توحيد القضاء أو اختيار مذهب معين كانت لها نتائج بعيدة المدى على حياة الناس، وعلى استقلالية الفقهاء والقضاة، وعلى معنى “العدل” في المحاكم.
الخلفية التاريخية: ماذا حدث في عام 1517؟
في سنة 1517 انتهى حكم المماليك في مصر بسيطرة السلطان العثماني سليم الأول (المعروف تاريخياً بسياسة التوسع العثماني في الشرق). هذا الحدث السياسي كان له أثر كبير على كل مفاصل الدولة: الجيش، الإدارة، المالية، والمؤسسات الدينية. أثناء هذه المرحلة كانت هناك حاجة ملحة لدى الدولة الجديدة لتثبيت حكمها، وإيجاد شرعية لها في نظر السكان المحليين الذين تعودوا على نظام سياسي وديني مختلف.
الدافع السياسي والديني لاحتلال مصر
الاحتلال لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب؛ بل كان مصحوباً بسياسات تُحاكي أو تُستثمر في الدين. الدولة العثمانية رأت في خطاب “الدين” وسيلة لشرعنة وجودها وتهيئ الجو لقبول إدارتها. من هنا تُفهم دعوات المسؤولين العثمانيين أمام الناس بأنهم جاؤوا من أجل إقامة الشريعة وتطبيق أحكام الإسلام، ولكن ماذا كان المقصود فعلاً؟
الادعاء الديني: “جئنا من أجل الإسلام” بين الخطاب والواقع
أحياناً تستخدم السلطة الدينية كواجهة لإجراءات تهدف بالأساس لضمان السيطرة السياسية والإدارية. القول “جئنا من أجل الإسلام” قد يكون حقيقياً في جزء منه، لكنه غالباً ما يحمل غرضاً سياسياً: إقناع الناس بشرعية حكم جديد، وتقديم صورة تُطمئن المجتمعات المحلية بأن النظام سيفعل “ما هو شرعي” وفق مظاهر الدين.
في حالة مصر بعد 1517، لم تكن الزعامة العثمانية محلية، ولم تكن قاعدة دعمها بين المصريين بالضرورة متينة. فكان لزاماً عليها أن تعتمد على مزيج من الإجراءات العسكرية والإدارية والدينية لبلورة سيطرة مقبولة. اختيار علماء وفقهاء يتبعون المذهب الحنفي -مذهب السُّلْطَة- كان جزءاً من ذلك المخطط.
لماذا تم اختيار الفقه الحنفي؟ التوحيد القضائي والسياسة المذهبية
الجانب العملي واضح: العثمانيون كانوا حنفية المذهب، وعندما ينتقلون إلى مناطق تتعدد فيها المذاهب الفقهية (مثل مصر التي كانت تَسِير إلى حد كبير وفق المذهب الشافعي والمالكي مع حضور للحنبلي)، يواجهون مشكلة تنسيقية. وقضية *توحيد القضاء* كانت تأتي في قلب حل هذه المشكلة.
التوحيد القضائي يعني أن الدولة تريد أن يكون هناك “مرجع فقهي واحد” أو منظومة قضائية موحدة على مستوى الدولة. ذلك يسهل إدارة الأحكام وتوحيد المبادئ التي تُطبق أمام المحاكم، كما يقلل من التباينات التي قد تُستخدم كذرائع للفساد أو للاستغلال السياسي.
وبناءً على ذلك، قررت السلطة تعيين علماء وفتاوى تتوافق مع المذهب الحنفي، وتأسيس دوائر قضائية تُفتي برأي حنفي موّحد. وكلّ ذلك بدا كمشروع “لإقامة العدل” ووصفوه بـ”القضاء الشرعي”. لكن هل كان الهدف فعلاً شرعياً محضاً؟ أم أن في الأمر دوافع سياسية وإدارية؟
القضاء “الشرعي” أم “الملكي”؟
هنا أريد أن أُميّز بين نوعين من الفقه: فقه الشريعة (الذي يستند إلى الاجتهاد العلمي والمرجعيات التقليدية للمذاهب) و”فقه ملكي” أو تطبيق قانوني يدير شؤون الدولة بما يتلاءم وسياسة الحكم. قد يأتي قاضٍ يعمل وفق “الفقه الملكي” إنما تحت توجيهات وقيود إدارية، وهذا قد يتعارض مع مواقفه الفقهية التقليدية أو مع أحكام أحد المذاهب. وهنا تنشأ الحاجة إلى “توحيد” أو إلى مرجع أعلى ليقول للقضاة ماذا يفعلون حين يواجهون آراء متعددة في المسألة نفسها.
تعدد الآراء داخل المذاهب: لماذا التوحيد صعب عملياً؟
شيء يجب ألا نغفل عنه: المذاهب الفقهية ليست “صناديق متجانسة”؛ بل كل مذهب داخله ضبط واجتهادات وآراء متعددة. في المذهب الحنفي مثلاً هناك تيارات وآراء انتقلت عن ثلاثة أئمة رئيسيين: أبو حنيفة، أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني. كل واحد منهم ترك إرثاً فقهياً وله مسائل واستدلالات خاصة.
وهذا يعني أن حتى لو قررت الدولة “التوحيد” على مذهب واحد، فإن المشكلات العملية لا تختفي: ما رأيُ أبي حنيفة؟ وما رأي أبي يوسف؟ وما رأي الشيباني؟ وفي مسائل كثيرة يَجِد القاضي نفسه أمام أكثر من رأي حنفي، وفي نفس الوقت هناك آراء مالكية أو شافعية أو حنبلية قد تكون منطقية أو مناسبة أكثر للسياق المحلي. إذاً التوحيد على مستوى المذهب لا يقطع النزاع بالضرورة، بل يحوله إلى نزاع داخل المذهب الواحد.
كان أحد انتقاداتي الجوهرية أن القاضي لو تُرك “لضميره”، حتى لو كان تقيّاً ورعاً، فقد يتأثر بآراء متعددة، وقد يختار الرأي الأول أو الثاني عند الحنفية بحسب قناعته. وهذا يسبب عدم اتساق في الأحكام: في دائرة قضائية تُفتي برأي حنفي وآخر في نفس القضية قد يتبع حنفيًا آخر.
مشكلة التباين القضائي وحلول الدولة: ما الذي دفع لتعيين مفتي؟
الى أن وصل الأمر إلى نقطة حرجة: عدم اتساق الأحكام كان يثير شكاوى وحساسيات. الحل الذي رأته السلطات (أو الذي خُطط له في مراحل لاحقة) هو وجود مفتي يُعطى صلاحية “الإفتاء للقضاة” أي أن يقوم بتحديد الرأي الذي يجب أن يحتكم إليه القضاة في مسألة ما. الهدف المُعلن: توحيد القضاء لتحقيق العدالة ومنع تناقض الأحكام.
وهنا تكمن مفارقة مهمة: عندما تُعيّن مفتٍ ليُفتي للقضاة فقط، فإن هذا المفتى لا يعمل كمرجع شعبي يُجابه به الناس في ساحات العلم والدعوة، بل يصبح أداة إدارية لتوحيد الممارسة القضائية. وبعبارة صريحة: المفتى ليس مفتي أمّة بقدر ما هو مفتي مؤسّسة القضاء.
قصة تعيين المفتي في مصر: من 1895 إلى مفتٍ مستقل في 1900
أذكر أن أول فكرة رسمية لتعيين مفتٍ يُفتي للقضاة في مصر ظهرت سنة 1895. الهدف لم يكن أن يُفتى للعوام، بل أن يُقدّم رأياً مرجعياً للقضاة عند اختلاف الآراء داخل المذهب الحنفي. وقد عُين في البداية شخص كان يشغل منصب شيخ الأزهر في ذلك الوقت، وهو الذي قال: “أنا شيخ الأزهر وسآخذ المسؤولية هذه عندي” وظل في هذه الوضعية حتى سنة 1900.
بعد خمس سنوات من توليه لهذه المهمة قال إنه متعب ويحتاج من يساعده، وأنه لابد من فصل وظيفة المفتي عن وظيفة شيخ الأزهر. وهنا تمت خطوة مهمة: تعيين مفتي مستقل لأول مرة في تاريخ مصر سنة 1900. وكان من أبرز من تولاهم ذلك الدور في تلك الحقبة هو الشيخ محمد عبده.
التمييز بين منصب شيخ الأزهر ومنصب المفتي
فصل منصب المفتي عن شيخ الأزهر كان إشارة إلى أن الدولة تريد جعل الإفتاء مسألة إدارية مستقلة، وليست ممارسة متداخلة مع رئاسة المؤسسة التعليمية الدينية. لكن هذا الفصل جاء أيضاً لأن المهام كانثقال على منصب واحد كان يجعل شيخ الأزهر يمارس أدواراً متعددة: إدارة المؤسسة، التدريس، والفتوى للقضاة أحياناً. فصل الوظائف يضيف “مهنية” للمهمة لكنه أيضاً يضع المفتي في موقع مركزي أكثر من أي وقت مضى.
محمد عبده: أول مفتي مستقل ومفارقات الفتوى
الشيخ محمد عبده يُعد أحد أبرز المصلحين في مصر في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. له رؤى إصلاحية عميقة في العقيدة، الفقه، والتعليم، وكان مؤثراً في حركة تجديد الفكر الإسلامي آنذاك. عندما صار مفتيً مستقلاً، لم يكن دوره مجرد وظيفة بروتوكولية؛ بل موقع قرارات فقهية يمكن أن تحدث صدامات مع جماعات أو مصالح سياسية.
في إحدى المسائل التي أثارت جدلاً، أفاد الشيخ محمد عبده برأي فقهي أخذ من قول أبي بكر الباقلاني المالكي في حكم طعام أهل الكتاب، وهو نص مشهور من القرآن: “طعام أهل الكتاب حل لكم” — ولكن تفسيرات هذه الآية متباينة ومسائلها الفقهية دخلت في تفاصيل متعلقة بالنية، بالضيافة، وبالتعامل الاقتصادي بين المسلمين وغير المسلمين.
حين ذهب الشيخ محمد عبده ليأخذ رأياً مالكياً في هذه المسألة، رأى خصومه أن هذا خروج عن المتوقع منه أن يفتي وفق المذهب الحنفي الذي كانت الدولة تميل إليه. هنا بدأت الانتقادات: لماذا يأخذ المفتي المستقل رأياً مالكياً وهو من المفترض أن يُوحّد القضاء تحت مظلة الحنفية؟
ردود الفعل والاستقالة والموت
النتيجة كانت قاسية: اتُهم محمد عبده بأنه “خائن” لأنّه لم يلتزم بما توقعته السلطة أو فئة معينة من الفقهاء. واجه ضغوطاً أدت إلى استقالته سنة 1905 من منصب المفتي. وبعد استقالته بثلاثة أشهر تُوفّي في بيته. الحكاية هنا ليست مجرد موقف إداري؛ بل هي مثال صارخ على كيف أن الضغوط السياسية والمذهبية قد تؤثر على مصائر علماء ومفتيين.
تحليل نقدي: ماذا تعني هذه القصة لحرية الفقه واستقلال القضاء؟
القصة التي سردتها تطرح أسئلة كبيرة عن استقلال الفقه، وعن دور الدولة في تنظيم الشريعة. عندما تُعيّن السلطة مفتيًا ليُفتي للقضاة فقط، فإنها تمنح لنفسها قدرة على ضبط مخرجات القضاء، وتحويل الفتوى إلى أداة تنفيذية أكثر منها علماً تسعى للحق والعدل.
هذه الظاهرة تؤدي إلى نتائج عملية أهمها:
- إضعاف الاجتهاد الفردي والاختلاف الفقهي الحر بين العلماء.
- تحويل الفتوى إلى مرجعية إدارية أكثر منها مرجعية علمية تُخاطب الأمة.
- تشويش على معنى “القضاء الشرعي” الذي يفترض أن يكون خاضعاً للنص والاجتهاد العلمي وليس للمصالح السياسية.
- إمكانية استغلال الاختلافات داخل المذهب الواحد لتمرير سياسات الدولة على أنها “أحكام شرعية”.
في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار مصلحة نظام قضائي موحّد في معالجة الممارسات التباينية أو في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص أمام القانون. لذلك القضية ليست مسألة بسيطة ثنائية الأبعاد؛ بل هي توازن دقيق بين الاستقلال الفقهي والتنظيم الإداري لمؤسسات العدالة.
أمثلة وتوضيحات: كيف تتجلى المشكلة على مستوى القضايا اليومية؟
لنفترض وجود خلاف بين طرفين في مسألة ميراث أو عقد أو نزاع تجاري. قاضٍ في محافظة يجِد داعية أو فتوى تُشير إلى رأي حنفي قديم يعتبر أحد الأذواق الشرعية مسموحاً، بينما دائرة قضائية أخرى تعتمد على رأي حنفي آخر أو على رأي شافعي يُقارب المسألة بمنظور مختلف. النتيجة عملية: أحكام متضاربة تُثقل كاهل الثقة في النظام القضائي، وتجعله في موقف ضعف أمام الجماهير.
لذلك قد تبدو فكرة وجود مفتي مركزي لتحديد “الرأي المرجعي” حلاً منطقياً. لكن حين يتحول هذا المفتي إلى أداة تنفيذية تخدم رغبة سياسية أو مذهباً واحداً بشكل متصل، فإن الحل يتحول إلى مشكلة أكبر: إذ سيفقد الناس ثقتهم ليس فقط في القضاة بل في المرجع الديني نفسه، الذي يصبح “مفتياً للدولة” بدلاً من كونه “مفتياً للأمة”.
الدروس التاريخية: ما الذي نستفيده اليوم؟
قصة تعيين المفتى في مصر تحمل دروساً مهمة لنا في العصر الحديث:
- أولاً: يجب فصل السلطات بوضوح — القضاء، الفتوى، والإدارة — حفاظاً على استقلالية كل منها.
- ثانياً: الشريعة ليست أداة حكومية بالمعنى التقني، بل علم واجتهاد يجب أن يبقى حراً نسبياً من الضغوط السياسية كي يؤدي وظيفته في إقامة العدل.
- ثالثاً: المساحات الفقهية تحتاج إلى آليات تنظيمية تحترم اختلاف المذاهب والآراء داخلها، ولا تُجبرها على الاختزال تحت مبدأ موحّد يفتقد للاحتكام العلمي.
- رابعاً: العلماء والمفتون عند توليهم مواقع رسمية يحتاجون إلى حماية من الضغوط السياسية والمذهبية لكي يستطيعوا الاجتهاد بشجاعة وموضوعية.
خلاصة: بين النوايا والنتائج
أعود وأقول ما قلته: حين احتلت الدولة العثمانية مصر في 1517، وجدت أنّ من الحكمة أن تستخدم خطاب الشريعة لإضفاء الشرعية على حكمها. ومن هنا جاءت سياسات اختيار علماء حنفيين وتوحيد بعض المؤسسات القضائية. لكن هذا المسار لم يكن خالياً من التوترات والتناقضات، وظل يفرز مشكلات عملية حتى وصلنا إلى تجربة تعيين مفتي بالقاهرة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
قصة المفتي المستقل ومحمد عبده تُظهر الانقسام بين التوجه الإداري والرغبة في الإصلاح والاجتهاد. حين يتصادم الاجتهاد مع توقعات السياسية الرسمية، ينتج صراع قد يُكلف المجتمعات الكثير — من فقدان للثقة في المؤسسات، وحتى موت علماء مرموقين تحت ضغوط لا تحتمل.
في النهاية، لا بد من التأكيد على أن الفقه الإسلامي غنيٌّ ومتنوع، وأن محاولة إخضاعه بالكامل لمصلحة سياسية واحدة تُفقده قدرته على أن يكون مصدراً للعدل الحقيقي. التحدي هو إيجاد توازن يحترم التنوع الفقهي ويضمن في الوقت نفسه انتظام تطبيق القانون بما يحقق مصالح الناس في الحياة اليومية.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
من هو أول مفتي مستقل في مصر؟
في سياق التاريخ الذي ناقشته، أول تعيين فعلي لمنصب المفتي المستقل عن منصب شيخ الأزهر جرى سنة 1900، وكان من أبرز أهل الفكر في تلك الحقبة الشيخ محمد عبده الذي شغل منصب مفتٍ مستقل عن رئاسة الأزهر. وتجدر الإشارة إلى أن هناك خطوات تحضيرية سابقة مثل فكرة البدء في 1895 لتعيين مفتي يفتي للقضاة، وقد كان شيخ الأزهر آنذاك قد تولى هذه المهمة مؤقتًا قبل فصل المنصبين.
لماذا لم يُعيّن المفتى ليفتي للناس بل للقضاة فقط؟
الهدف الذي قاد هذه الخطوة كان عملياً: توحيد الممارسة القضائية وتقديم مرجعية فقهية واحدة للقضاة عندما يواجهون تباين الآراء داخل المذهب الحنفي أو بين المذاهب. الفكرة أن المفتى سيُحدّد أي رأي ينبغي أن يُحتكم إليه في المحاكم كي لا تتباين الأحكام بين دائرة وأخرى، وبالتالي فإن الفتوى كانت موجّهة في المقام الأول للقضاة ولأغراض تنظيمية وإدارية أكثر منها لتوجيه الجماهير.
هل كان اختيار المذهب الحنفي تهجماً على المذاهب الأخرى؟
ليس بالضرورة هجماً بقدر ما كان اختياراً سياسياً مبنياً على كون الدولة العثمانية حنفية المذهب. اختيار مذهب الدولة كأساس للتنظيم القضائي يعكس رغبة في التوحيد وتبسيط الإدارة، لكنه في الوقت نفسه قد يتسبب في إحساس الظلم عند أتباع مذاهب أخرى أو عند من يرون أن الممارسة المحلية كانت متأصلة في مذاهب مختلفة مثل الشافعي أو المالكي.
ما الذي أدى إلى استقالة محمد عبده كمفتٍ؟
استقال محمد عبده سنة 1905 بعد تعرضه لانتقادات حادة إثر فتوى أخذ فيها موقفاً مالكياً بخصوص مسألة طعام أهل الكتاب (موقف يعود إلى تفسيرات تقليدية وشهيرة)، مما أثار غضباً من الذين توقعوا أن يلتزم المفتى بالمذهب الحنفي الرسمي. الضغوط الناجمة عن اتهامه بالخروج عن المألوف أدّت إلى استقالته، ثم توفي بعد فترة قصيرة.
ماذا تعني هذه الواقعة بالنسبة لاستقلال الفقه والقضاء اليوم؟
الحادثة تذكّرنا بأهمية فصل السلطات والحفاظ على استقلالية الفقه كميدان علمي وإداري على حد سواء. عندما تسيطر السلطة السياسية أو المذهبية على مخرجات الإفتاء، فإن ذلك يضعف قدرة الشريعة على التعبير عن العدالة الحقيقية وتلبية احتياجات المجتمع المتغيرة. بالتالي ينبغي إيجاد آليات تحمي العلماء وتمنحهم حرية الاجتهاد، مع وجود تنظيم قضائي يضمن الاتساق دون سحق التنوع الفقهي.
هل هناك دروس عملية يمكن تطبيقها الآن في تنظيم الفتوى والقضاء؟
نعم، وهناك عدة دروس عملية:
- العمل على فصل واضح بين منصب الإفتاء ومناصب إدارية أو تعليمية لضمان استقلالية كل دور.
- إيجاد مجالس فقهية متعددة التكوين تسمح بتمثيل المذاهب والآراء المختلفة، بدل مركزية مفرطة لمفتٍ واحد.
- ضمان شفافية الإجراءات التي تُستخدم لتحديد مآخذ الفتاوى والمرجعيات التي تستند إليها للحد من الشبهات السياسية.
- حماية العلماء من الضغوط والتشهير عند اختلاف آرائهم مع المؤسسة الحاكمة.
خاتمة: دعوة للتأمل والعمل
إن القصة التي سردناها عن تعيين المفتي في مصر ليست مجرد حكاية تاريخية مغيّبة، بل هي مرآة تُظهر لنا كيف تتداخل السياسة مع الدين، وكيف يمكن للقرارات المؤسسية أن تُعيد تشكيل مشهد الفقه والقضاء في مجتمع بأكمله. إنني أدعو القارئ والمشتغلين في الحقلين الديني والقانوني إلى قراءة هذه الدروس بعين نقدية وبناءة، والعمل على إيجاد توازن يحفظ كرامة الفقه واستقلال القضاء، وفي الوقت نفسه يحقق انتظام العدالة وصلاح إدارة المجتمع.
إذا كان لديك سؤال أو نقطة تريد مناقشتها بالتفصيل، فأدعوك لطرحها — فالفهم العميق للتاريخ يساعدنا دوماً في بناء سياسات أفضل للحاضر، وحلول أكثر إنصافاً للمستقبل.
انضم إلى قناة سدين على يوتيوب |
|
حيث نطرح أفكارًا جديدة، ونفكك الموروث، ونعيد قراءة النصوص الدينية بعيون العقل والعلم |
👉 اضغط هنا للانتقال إلى القناة |