الكتاب والقرآن لمحمد شحرور – الجزء الثاني مع حسين سعدون

في هذا المقال، نستعرض معًا أهم الأفكار التي تناولها الكاتب حسين سعدون حول كتاب “الكتاب والقرآن” للدكتور الراحل محمد شحرور، حيث يسلط الضوء على موضوعات مركزية مثل الفرق بين الإنزال والتنزيل، الإبلاغ والتبليغ، طبيعة صياغة القرآن الكريم، وجود الإعجاز القرآني، وقواعد التأويل التي يجب اتباعها لفهم النص القرآني بعمق. هذه الأفكار تمثل دعوة لفهم القرآن الكريم بروح معاصرة، مفككة من القيود التراثية، ومفتوحة على آفاق جديدة في التفسير والقراءة.

مقدمة: قراءة معاصرة للقرآن الكريم

يبدأ الحديث بالتأكيد على أن قراءة كتاب جيد تتطلب جهدًا يعادل جهد كتابته، وهو ما ينطبق على كتاب الدكتور محمد شحرور الذي يقدم قراءة معاصرة للقرآن الكريم تختلف عن التفسيرات التراثية التقليدية. يتساءل شحرور عما إذا كان لنا الحق في القرن الحادي والعشرين أن نغلق باب التفسيرات القديمة ونفتح باب التفسير الجديد، مستندًا إلى أن القرآن هو خطاب حي نزل على أحياء في القرن السابع، ونحن كأحياء في القرن الحادي والعشرين يجب أن نتفاعل معه وفق معرفتنا ومعطيات عصرنا.

الفرق بين الإنزال والتنزيل في القرآن الكريم

واحدة من النقاط المركزية في الكتاب هي التمييز بين كلمتي الإنزال والتنزيل التي ترد كثيرًا في القرآن الكريم. يوضح شحرور أن هناك فروقًا دقيقة بينهما تتعلق بطبيعة العملية التي يشير إليها كل منهما.

الإنزال هو عملية نقل المادة أو الشيء من غير مدرك إلى مدرك، بمعنى أن شيئًا لم يكن مدركًا أو محسوسًا يصبح كذلك. مثال على ذلك قوله تعالى: “وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس”، فالحديد هنا لم يكن مدركًا أو متاحًا للإنسان قبل أن يُنزل عليه، أي أصبح مدركًا بعد الإنزال.

أما التنزيل فهو عملية نقل موضوعي خارج الوعي الإنساني، غالبًا ما تكون تدريجية ومتدرجة، مثل تنزيل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم على مدى 23 سنة. التنزيل هنا يشير إلى عملية الاسترسال والتدرج في إيصال الرسالة، على عكس الإنزال الذي يشير إلى دفعة واحدة أو حدث واحد.

كما يذكر شحرور أمثلة متعددة توضح هذه الفروق، مثل قوله تعالى في سورة الإنسان: “تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم”، حيث يشير إلى التنزيل كعملية موضوعية خارج الوعي، مقابل الإنزال الذي يتعلق بعملية إدراك وتحويل الشيء إلى مدرك.

الفرق بين الإبلاغ والتبليغ

ينتقل الحديث إلى التمييز بين مصطلحي الإبلاغ والتبليغ، وهي مفاهيم لغوية دقيقة لها تأثير كبير في فهم النصوص القرآنية والحديثية.

الإبلاغ هو عملية وصول الرسالة إلى الجميع بشكل كامل، بحيث لا يبقى أحد معني بالبلاغ لم يسمع به أو يفهمه. أما التبليغ فهو نقل الرسالة أو الخبر إلى الآخرين دون ضمان وصولها إلى الجميع أو إدراكها من قبل الجميع. مثال توضيحي يستخدمه شحرور هو تعميم من وزارة المالية حول دفع الضرائب: هذا التعميم هو تبليغ لأنه قد لا يصل إلى كل المواطنين، لكنه يتحول إلى إبلاغ عندما يصل إلى الجميع ويدركونه.

في القرآن، يفرق شحرور بين قوله تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك”، وهو أمر بالبلاغ وليس الإبلاغ، لأن الرسول يقوم بنقل الرسالة ضمن حدود الطاقة البشرية، ولا يمكنه التأكد من وصولها لكل فرد. بينما في حديث النبي في حجة الوداع: “هل بلغت؟ اللهم فاشهد”، هنا يشير إلى الإبلاغ الكامل، حيث وصل البلاغ لكل المعنيين.

صياغة القرآن: هل هي علمية أم أدبية؟

يتناول شحرور طبيعة صياغة القرآن الكريم، مناقشًا ما إذا كانت صياغته تنتمي إلى الجانب الأدبي فقط كما كان يُعتقد في السابق، أو أنها تجمع بين الدقة العلمية والبلاغة الأدبية.

يؤكد أن القرآن يجمع بين صيغتين: الصياغة الأدبية التي تعبر عن بلاغة اللغة العربية وتأثيرها على الإنسان في القرن السابع الميلادي، والصياغة العلمية التي تتضمن إشارات دقيقة إلى حقائق كونية وعلمية. مثال على ذلك قوله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، وهو تعبير علمي يؤكد أهمية الماء في تكوين الحياة، بالإضافة إلى إشارات أخرى مثل وصف حركة الكواكب بأنها في فلك يسبحون، مما يعكس فهمًا علميًا دقيقًا للكون.

هذا الجمع بين الصيغتين يجعل القرآن صالحًا لكل زمان ومكان، ويبرر الحاجة إلى قراءة معاصرة لفهم معانيه بشكل أفضل في ظل تغير المعرفة الإنسانية.

هل يوجد إعجاز قرآني؟

يناقش شحرور موضوع الإعجاز القرآني، مشيرًا إلى أن القرآن ليس مجرد كتاب لغوي أو أدبي يقتصر إعجازه على العرب فقط، بل يحتوي على إعجاز ضمني يتجلى في دقته العلمية والبلاغية معًا.

يذكر أن المعتزلة قد تحدثوا عن موضوع الصرف وأن الله صرف الناس، وأن القرآن تحدى الناس أن يأتوا بمثله، وهو تحدي مستمر حتى اليوم. لكن شحرور يرى أن الإعجاز القرآني ليس فقط في البلاغة، بل أيضًا في الإشارات العلمية التي لا يمكن إنكارها، والتي تثبت أن القرآن من عند الله.

يستشهد بأمثلة مثل قوله تعالى: “وكل في فلك يسبحون” و“وجعلنا من الماء كل شيء حي”، مشيرًا إلى أن هذه الآيات تعبر عن حقائق علمية لا يمكن إنكارها، رغم أن القرآن ليس كتابًا علميًا بحتًا، بل هو كتاب هداية يحتوي على إشارات علمية ضمنية.

قواعد التأويل: كيف نفسر القرآن؟

يشرح شحرور أن التأويل ليس حقًا مطلقًا لكل إنسان، بل هناك قواعد يجب اتباعها ليكون التأويل صحيحًا وجديرًا بالاحترام. ويستعرض ست قواعد رئيسية:

  1. التقيد باللسان العربي: فلفظ القرآن لا يحتوي على الترادف، وكل كلمة لها معانٍ متعددة لكنها لا تتطابق تمامًا. لذا، فهم اللسان العربي بدقة أمر أساسي.
  2. فهم الفرق بين الإنزال والتنزيل: كما شرحنا سابقًا، هذا الفرق هو أساس نظرية المعرفة الإنسانية في فهم النص القرآني.
  3. الترتيب والتنظيم: القرآن يجب أن يُقرأ كوحدة متكاملة ومنظمة، حيث تجمع الآيات المتعلقة بموضوع معين معًا لتكوين فهم شامل، وليس قراءة متفرقة أو انتقائية.
  4. عدم الوقوع في التعضية: أي عدم تقسيم القرآن إلى أجزاء منفصلة لا تتكامل، بل يجب النظر إليه ككل متجانس.
  5. فهم أسرار مواقع النجوم: كما في قوله تعالى: “فلا أقسم بمواقع النجوم”، هناك إشارات إلى قوانين كونية يجب فهمها ضمن سياق النص.
  6. الاستفادة من المعرفة العلمية الحديثة: التي تساعد في فهم الإشارات العلمية في القرآن، مما يعزز من دقة التأويل.

هل القرآن تراث؟

يختم شحرور بالتأكيد على أن القرآن ليس تراثًا تقليديًا فقط، بل هو كتاب حي يخاطب أجيالًا حية في كل زمان. النص القرآني مطلق، لكن فهمه نسبي ويتغير بحسب مستوى المعرفة والإدراك لدى كل جيل.

ويستشهد بكلمات الشاعر محمد إقبال الذي قال:

اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك

، في إشارة إلى ضرورة قراءة القرآن بروح جديدة، كأنه يتنزل علينا الآن، وليس فقط كجزء من تراث قديم.

وهذا يدعو إلى تفاعل مستمر مع النص القرآني، وطرح أسئلة معاصرة مثل قضايا الحرب، الاقتصاد، العولمة، وغيرها، مستلهمين روح القرآن في عصرنا الحديث.

الأسئلة المتكررة (FAQ)

ما الفرق بين الإنزال والتنزيل في القرآن؟

الإنزال يشير إلى عملية نقل المادة أو الشيء من غير مدرك إلى مدرك، غالبًا دفعة واحدة، بينما التنزيل هو عملية نقل تدريجية ومتدرجة للموضوعات أو الرسالة، كما في تنزيل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم.

كيف يختلف الإبلاغ عن التبليغ؟

الإبلاغ يعني وصول الرسالة إلى الجميع بشكل كامل مع التأكد من إدراكها، أما التبليغ فهو نقل الرسالة دون ضمان وصولها أو فهمها من الجميع.

هل صياغة القرآن علمية أم أدبية؟

القرآن يجمع بين الصياغة الأدبية التي تؤثر في المتلقي من الناحية اللفظية والبلاغية، والصياغة العلمية التي تتضمن إشارات دقيقة إلى حقائق كونية وعلمية، مما يجعله صالحًا لكل زمان ومكان.

هل يوجد إعجاز قرآني؟

نعم، هناك إعجاز ضمني يجمع بين البلاغة والإشارات العلمية التي تثبت أن القرآن من عند الله، وهو تحدٍ مستمر للبشرية أن يأتوا بمثله.

ما هي قواعد التأويل لفهم القرآن؟

هناك ست قواعد أساسية منها التقيد باللسان العربي، فهم الفرق بين الإنزال والتنزيل، قراءة القرآن كوحدة متكاملة، عدم تقسيم النص، فهم الإشارات الكونية، والاستفادة من المعرفة العلمية الحديثة.

هل القرآن مجرد تراث؟

القرآن ليس تراثًا تقليديًا فقط، بل هو كتاب حي يخاطب أجيالًا حية في كل زمان، وفهمه يتغير تبعًا لمستوى المعرفة والإدراك لدى كل جيل.

Share >>

مواضيع متميزة

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

في هذه المادة أتحدث معكم كمتابع وكداعية لنقطة أساسية قد يغفل عنها كثيرون: الصلاة ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة تقود إلى غاية أعمق وأسمى.…

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

في هذا المقال يتناول د. يوسف أبو عواد موضوعًا بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في مدلولاته: لماذا يذكر القرآن بني إسرائيل بهذا القدر من التكرار؟…

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

جدول المحتويات مقدمة في هذا المقال أقدم قراءة موسعة ومستفيضة لما طرحه الباحث د. وحيد بو عزيز في عرضه على قناة مجتمع Mujtama، حيث كشف…

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

في هذه المقالة أقدّم قراءة مركّزة ومفصّلة لكتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم” للمفكر الراحل الدكتور محمد شحرور. هدفي هنا أن أنقل أفكار الكتاب بلغة واضحة،…

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

جدول المحتويات مقدمة: لماذا هذا الحديث مهم ومن يتحدث؟ في هذه المادة أعرض خلاصة حديثي مع محمد الحداد حول “الإمكانات الموجودة لخنق الاحتلال”. أتحدث هنا…

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

في هذا المقال أتحدث الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن،  في تاريخ القضاء والشريعة في مصر: كيف وأسباب تعيين مفتي في مصر لأول مرة…

اشترك معنا ليصلك كل جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Toggle Dark Mode