علاقة الحرية بتطور الغرب وأثرها على مجتمعاتنا الإسلامية — قراءة نقدية واقتراحات عملية | د. نايف بن نهار

فهرس

مقدمة: عن الحلقة وماذا أهدف لشرحه هنا

في حلقة على قناة Mini Podc تحدثتُ أنا د. نايف بن نهار عن موضوع يؤرقنا: هل الحرية هي سبب تقدم الغرب علمياً وتكنولوجياً؟ وهل نفس الحرية تسببت في ما يسميه البعض “سقوطاً أخلاقياً”؟ وكيف ينبغي أن نفكر في الحرية داخل مجتمعاتنا الإسلامية دون قبول أعمى أو رفض عنيف؟

في هذا المقال أكرر وأوسع ما قلته في الحلقة: أشرح تعريفات الحرية القديمة والحديثة، أعرض لماذا لا يمكن أن تكون الحرية قيمة بذاتها ما لم تُبنَ على عدالة ومرجعية، أتناول الفروق بين الحقوق الإنسانية والحقوق الثقافية، وأحلل ثلاث صدماتٍ تعرّض لها النموذج الغربي الحديث (الحرب الروسية ـ الأوكرانية، كأس العالم، وحرب غزة) ودلالاتها بالنسبة لنا. أختم بتوصيات عملية للسياسات والتعليم والمؤسسات التي تتردّد بين الاقتداء بالغرب وصنع نموذج محلي مستقل.

لماذا نناقش الحرية الآن؟

الكلام عن الحرية ليس نقاشاً شكلياً أو أكاديمياً منعزلاً عن الواقع؛ الحرية الآن تُستخدم كسلاح ثقافي وسياسي. الغرب الحديث غالباً ما يعرض مفهوم الحرية كمرجعية كلية تُطبَّق على كل المجتمعات، ويطالب بتعميم تغيّرات ثقافية واجتماعية بناءً على هذه المرجعية. نحن أمام سؤال أساسي: هل نقبل الحرية كما هي، أم نربطها بقيمٍ ومقاييس أوسع؟

أبدأ بنقطةٍ أراها قلبية: الحرية كما تُعرَّف شائعاً — “أن أفعل ما أريد طالما لم أضر غيري” — ليست كافية كقيمة مستقلة لأن الإرادة البشرية مفتوحة على الخير والشر جميعاً. لذلك الحرية وحدها قد تؤدي إلى تناقضات وسوء فهم إذا لم تُبنَ على أساس العدالة ومرجعية واضحة.

تعريفات الحرية: التاريخية والمشكلات المنطقية

الفلاسفة عبر التاريخ قدموا تعريفات مختلفة للحرية: مونتسكيو قال إنها فعل ما تبيحه القوانين، هوبز اعتبرها غياب المعوقات الخارجية، وآخرون عرّفوها كاختفاء القيود. هذه التعريفات تنقلنا من الحرية كقيمة إلى الحرية كحالة مرتبطة بالإرادة والظروف.

الحرية — بحسب التعريف الشائع — “أفعل ما أريد”، لكن هذا التعريف يعرِّض الحرية لأن تكون محايدة أخلاقياً: تحمل الخير والشر معاً.

المشكلة الأساسية هنا منطقية: القيمة يجب أن تكون “محسنة ذاتياً” — بمعنى أنها محببة لذاتها ومتفق عليها اجتماعياً. العدالة، الصدق، الوفاء أمثلة على قيم يعتبرها الناس حسنة لذاتها. الحرية ليست كذلك إلا إذا قيدناها بمعايير تمنعها من احتضان الشر. بمعنى آخر: الحرية لا تكون قيمة إلا إذا كانت مبنية على عدالة.

الربط بين الحرية والعدالة: لماذا العدالة هي المرجع؟

أقترح أن نُعرف الحرية ليس كإرادة مطلقة، بل كممارسة لحقوق الفرد “وفقاً لمرجعية العدالة”. هذا الربط يجعل الحرية قيمة، لأن الحق يقتضي وجود طرفين: من له الحق، ومن عليه الحق. وجود الطرفين يؤدي إلى توازنٍ يحقق العدالة.

إذا اعتبرنا الحرية امتيازاً بلا أساس عدلي، تصبح مجرد قدرة تُمارَس بالقوة. أما إذا جعلنا الحرية حقاً مبنياً على العدالة، فحينها تتمتع الحرية بمشرعيتها وقيمتها الأخلاقية. الحرية التي لا تبنى على العدالة ليست حقاً لأحد بل امتيازاً للقوي.

العدالة أيضاً تحتاج إلى مرجعية. لا يوجد عدل بلا مرجعية تحدد المعايير: ماذا يعني “العادل”؟ ما هو الأساس؟ لذلك النزاع حول الحرية يلجأ دائماً إلى سؤال: مرجعية العدالة من أين؟ دينية أم ثقافية؟

الحقوق: إنسانية أم ثقافية؟

هنا أطرح تمييزاً جوهرياً بين نوعين من الحقوق:

  • الحقوق الإنسانية: تلك التي يتفق عليها البشر، وهي مشتركة بين الحضارات إلى حد كبير. أمثلة: حفظ النفس، الكرامة الأساسية، الحماية من التعذيب.
  • الحقوق الثقافية: حقوق تُعدُّ كذلك وفق ثقافة معينة وقد لا تكون مقبولة في ثقافات أخرى. مثال: بعض التغيُّرات الاجتماعية أو القواعد المرتبطة بالسلوك الأخلاقي في مجتمع غربي قد لا تُقبل في مجتمع إسلامي.

مشكلة الغرب الحداثي أنه أحياناً يُحوِّل حقوقاً ثقافية إلى حقوق إنسانية عالمية، ثم يطالب العالم بأن يتبنّاها فوراً، دون حوار أو تفهّم للسياقات الثقافية الأخرى. هذا ما يولِّد مقاومة ويظهر الغرب كمرسلٍ لقيمه بدل أن يكون شريكاً في حوار إنساني.

حالة حقوق المرأة كمثال تطبيقي

لنأخذ مثالاً عملياً: مطالبات بعض التيارات النسوية في العالم الإسلامي أحياناً تُطرح من باب الحرية دون الرجوع إلى العدالة. عندما يُطرح مطلبٌ يتعلق بالحقوق يجب أن يُحدد على من؟ وما عليه؟ أي يجب أن يحضر الطرف الآخر في المعادلة لكي نصل لمفهوم عدالة متفق عليه.

حين تُناقش حقوق المرأة من باب الحرية فقط، تُقصى أصوات الآخرين الذين عليهم حقوق أيضاً—كالزوج، الأسرة، المجتمع—فيتحول النقاش إلى مطالب امتيازية وليست نقاشاً عادلاً مبنياً على اتفاق بين الأطراف. لذا، حتى ينجح مشروع حقوق المرأة في الخليج والعالم الإسلامي يجب أن يبدأ من باب العدالة وليس الحرية المطلقة.

دوائر النقاش: المسلمات، البدهيات، والجدليات

أعرض إطاراً بسيطاً يساعد على فهم أين تنفع القيم الإنسانية وإلى أي مدى:

  • دائرة المسلمات والبدهيات: تشمل ما يتفق عليه الناس بغض النظر عن اختلاف الزمان والمكان—مبادئ عامة كحفظ النفس والصدق والعدل في صور بسيطة.
  • دائرة الجدليات: فيها قضايا خلافية تتبدل باختلاف الثقافات والتجارب التاريخية، مثل أمور تخص التعليم، اللباس، بعض الحقوق الاجتماعية.

القيم الإنسانية تنفع عادة في دائرة البدهيات، لكنها تواجه تحديات في دائرة الجدليات. في هذه الأخيرة نحتاج لمرجعيات ثقافية متفق عليها داخل المجتمع لحسم الخلاف أو على الأقل للمشاركة في عملية الحوار والتفاوض.

ثلاث ضربات تعرض لها نموذج الحرية الغربي الحديث

أوضح في الحلقة أن نموذج الحرية الغربي تعرض لثلاث ضربات قاسية ــ دعونا نُسميها نقاط انكشاف أو اختبارات حقيقية لزعم الغرب أن قيمه عالمية:

  1. الحرب الروسية ـ الأوكرانية: أوضحت أن الغرب يتكلم أحياناً باسم “الإنسانية” لكن حين تصبح الضحية “آخر” ثقافياً أو عرقياً أو دينياً، تتبدّل لهجة الخطاب. عندما تكون الضحية “قريبة” من الهوية الغربية تُستخدم لغة إنسانية قوية؛ لكن عندما يكون الطرف الآخر بعيداً ثقافياً أو مدعوماً من حلفٍ آخر، تتغيّر اللغة والمعايير.
  2. كأس العالم والرموز الثقافية: حدثنا عن ردود الفعل الغربية لما حصل في كأس العالم، مثال لبس ميسي للبشت من قبل أمير عربي، وكيف انكشف وعي عنصري في ردود الفعل تجاه الثقافة العربية. كان هذا لحظة وجّهت صدمة لمن كان يروّج لفكرة أن الغرب يتحدث دوماً باسم “القيم الإنسانية” دون تحيّز ثقافي.
  3. حرب غزة: كانت الصفعة الكبرى؛ إذ أظهرت ازدواجية المعايير الغربية في قضايا حقوق الإنسان. الولايات المتحدة، أكبر مدافعٍ عن “حقوق الإنسان” في الخطاب الدولي، لم تُظهِر نفس الحمایة والالتزام حينما تعلق الأمر بما يحدث في غزة، مما أوقع مصداقية الخطاب الغربي في أزمة.

هذه الضربات الثلاثة دفعت الغرب إلى انسحابٍ ثقافي إلى الذات: بدأ يتحدث بصوت الهوية الغربية لا بصوت الإنسانية الكونية. وهذا التحوّل مهم لأننا كنا نعتنق في مناطقٍ كثيرة نموذج التحديث الغربي ونسعى لتطبيقه حرفياً دون نقد.

ماذا تعني هذه “الضربات” بالنسبة لنا؟

أولاً: لا بأس أن يعود الغرب إلى هويته الثقافية. المشكلة تكمن في أن يُروِّج الغرب لهويته باعتبارها “إنسانية” عامة ثم نندهش عندما يُمارس ازدواجية المعايير عند الاختبارات الحقيقية.

ثانياً: هذا الانكشاف أعاد إلينا شيئاً مهماً: فرصة للتفكير المستقل. كثير من المؤسسات والأنظمة في دولنا سعت لتقليد نموذج الغرب في كل تفاصيل الحياة: التعليم، تقسيم المراحل التعليمية، تصنيفات الجامعات، سياسات الثقافة. الآن يجب أن نعيد التفكير: هل نريد نسخة منه أم نموذجاً خاصاً بنا يتناسب مع احتياجاتنا وخصوصياتنا؟

الأكاديميا والتصنيف الدولي: إشكاليات الاستراتيجيات المستوردة

أحد أبرز المشكلات التي ناقشتها هو اعتماد الجامعات في منطقتنا على معيار التصنيف الدولي كمؤشر نجاح. هذا المعيار يجعل الباحث يُفضل نشر بحث في مجلة دولية حتى لو لم يكن مفيداً للمجتمع المحلي، لأن النشر الدولي يُحسّن تصنيف الجامعة ويجلب تمويلات وسمعة.

النتيجة: البحوث تُنتج لأغراضٍ عددية وإحصائية وليس لتلبية حاجات المجتمع. ننتج معرفة لا يقرأها أحد خارج الدائرة الأكاديمية. هناك فصل غير مبرر بين الأكاديمي والمجتمع: “خدمة المجتمع” في كثير من الجامعات مجرد اسم لا أثر عملي له.

المطلوب: أن تُعاد سياسات التمويل والمعايير بحيث تُقدَّر البحوث التي تخدم المجتمع وتحسّن حياته، حتى لو لم تُنشر في مجلات عالمية مرموقة. التصنيف الدولي له دوره، لكن عليه أن يكون أداة وليس غاية تُهيمن على كل الخيارات.

المدخلات الغربية في نظم التعليم لدينا: هل نحن مُلائمون للصيغة؟

نظام المراحل التعليمية الشائع (ابتدائي ـ إعدادي ـ ثانوي ـ جامعي) والمناهج الغربية وطرق التقسيم الأكاديمي هي منتجات تاريخية لبيئات معينة. اقتباسها دون تعديل قد لا يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا واحتياجاتنا الاقتصادية والثقافية. هناك بدائل ممكنة لتقسيم المناهج أو لتوجه البحث العلمي قد تلائم خصوصياتنا.

مثال عملي: تقسيم التخصصات الحالية (إنساني، اجتماعي، علوم) قد يحتاج إعادة شكل. يمكن تصميم مناهج تدمج بين مهارات العمل والسياق الثقافي المحلي بدلاً من نسخة مُعتمدة على السوق العالمية فقط.

المسؤول الجريء: أهمية القيادة في إحداث التغيير

أحد العوائق الأساسية هو غياب الشجاعة السياسية والإدارية لدى المسؤولين. كثير من المسؤولين “صالحون” لكنهم غير جريئين؛ يخشون تكاليف الخطأ أو الاحتكاك الشعبي أو انتقادات الجهات الأعلى. النتيجة إدارة تحافظ على الحد الأدنى من الأداء لتفادي المخاطر، ما يؤدي إلى ركود المؤسسات وفقدان طاقات الشباب.

نحتاج إلى مسؤولين

  • صالحين أخلاقياً،
  • لكن أكثر أهمية: جريئين قادرين على تغيير مسارات العمل حتى لو كان في البداية مخاطر وأخطاء، لأن التجربة تمنح دروساً وتفتح مسارات جديدة.

بدون هذه الشجاعة لن ننتقل من تقليد ينتج استهلاكاً ثقافياً إلى إنتاجٍ ثقافي يوفر حلولاً محلية للمشاكل المحلية.

المرجعية: لماذا نحتاج إليها؟

كل الخلافات في المسائل الجدلية تعود إلى سؤال المرجعية: ما هي الأسس التي يُستند إليها عند القول إن شيئاً ما “عادل” أو “حق”؟

المرجعية قد تكون دينية، ثقافية، عقلية، أو مزيجاً منها. في المجتمعات الإسلامية، المرجعية الإسلامية لها أدوات وأسس يمكن أن تعالج مسائل العدالة بصورة منطقية. الفقيه يبرِّر الأحكام استناداً إلى منطق العدالة، وبهذا يمكن أن نتقاطع مع منطقٍ مشترك بين البشر حتى لو اختلفت التفاصيل.

لكن عندما ندخل في قضايا لا نص فيها قطعياً، يصبح الحوار الثقافي ضرورياً. هذه المجال يحتاج حواراً مجتمعياً متكافئاً لا فرض أيديولوجيا خارجية.

الحريّة والهوية: من الاختزال إلى البناء

هناك خطران متقابلان:

  • أن نرفض الحرية كلياً ونقع في أنظمة قسرية تمنع حراك المجتمع الإيجابي؛
  • أن نُطلق الحرية بلا حدود أو مرجع، فتتحول إلى ذريعة لتفكيك القيم الاجتماعية دون ضمانات عدلية.

الحل الامثل هو ضبط الحرية داخل إطار عدلي ومرجعي. هذا لا يعني أن نغلق كل الحريات، بل أن نؤسس لها قواعد واضحة تُحمي حقوق الجميع وتضمن التعايش. الحرية تكون قيمة عندما تُمارَس في توازن مع حقوق الآخرين ومصلحة المجتمع.

أمثلة تطبيقية: كيف نعمل التوازن؟

أقترح مجموعة أدوات عملية لصنع توازن بين الحرية والعدالة في المجتمع والمؤسسات:

  1. قوانين واضحة ومُحايدة: صياغة قوانين تُحترم فيها خصوصيات المجتمع وتُطبق بعدل، مع آليات للمعالجة القضائية والحوارات المجتمعية عند النزاع.
  2. حوارات مجتمعية مُنظمة: إنشاء منصات للحوار بين الفرقاء الثقافيين والدينيين والعلمانيين للوصول إلى تفاهمات في المسائل الجدلية بدل إجبار الخيارات.
  3. سياسات تعليمية متمليمة: إعادة تصميم المناهج لتلائم عالمنا المحلي وتُعد مواطنين قادرين على التفكير النقدي والعمل الإنتاجي بدل تحميلهم نسخاً جاهزة من العالم الغربي.
  4. معايير نشر بحثية محلية: تعديل أنظمة تقييم الجامعات لاحتساب أثر الأبحاث في المجتمع المحلي وزيادة التمويل للأبحاث التطبيقية ذات الفائدة المباشرة.
  5. مأسسة الشجاعة في الإدارة: دعم صانعي القرار الجريئين بمنظومات تقييم عادلة تُقَيِّم النتائج على المدى المتوسط والطويل، وليس فشل أو نجاح فوريّاً.

النقاش حول العلمنة واللائكية: حالة فرنسا كنموذج زائد

ناقشت في الحلقة أن فرنسا نموذج شاذ مقارنة ببعض الدول الأوروبية. اللائكية الفرنسية لا تكتفي بفصل رجال الدين عن السلطة، بل تمتد لرغبة فصل الدين عن الفضاء العام ككل. هذا لا يوازي العلمانية البسيطة (فصل الدين عن الدولة)، بل يشكل محاولة لقمع التعبير الديني في المجال العام.

النتيجة أن فرنسا تبنت سياسة قائمة على عدم رؤية الدين في المؤسسات العامة، مثل منع بعض الملابس الدينية في أماكن عامة. هذا النهج أثار جدلاً واسعاً حتى داخل أوروبا، لأن أوروبا ليست كلها مسيسة بهذه الدرجة تجاه الدين. لذلك يجب التمييز بين العلمانية كفصل للدين عن السلطة، وبين لائكية متطرفة تسعى لطرد الدين من الفضاء العام.

ماذا يعني استعادة المركزية القرآنية في صناعة المعرفة؟

جزء من الحديث في الحلقة كان عن العودة لمنظومة معرفية تعتمد القرآن كمصدرٍ للمناهج والتربية. هذه ليست دعوة إلى عزلة معرفية، بل إلى إعادة توظيف المراجع الإسلامية في تأطير المعرفة بحيث تخدم حلولاً محلية ولا تُستورد نماذج جاهزة بلا تعديل.

المقصد أن يكون القرآن مرجعاً لتوجيه التربية والأخلاق والمعايير الاجتماعية، ثم نفتح باب الحوار مع باقي التراث الإنساني لنسهم في بناء معرفة متوازنة. هذا النهج يمكن أن يدمج بين الثابت والمتغير، بين القيم المشتركة والخصوصية المحلية.

الخلاصة: حرية مسؤولة، عدالة مرجعية، وقيادة جريئة

أعيد التأكيد على نقاط أساسية:

  • الحرية ليست قيمة مستقلة إلا إذا اُبْنِيَت على العدالة.
  • العدالة تحتاج إلى مرجعية—دينية أو ثقافية—لحسم القضايا الجدلية.
  • التمييز بين الحقوق الإنسانية والحقوق الثقافية ضرورة للحوار الدولي السليم.
  • الاعتماد الأعمى على النماذج الغربية في التعليم والتقييم الأكاديمي يؤدي إلى فجوة بين الجامعات والمجتمع.
  • نحتاج مسؤولين جريئين وقادرين على تحمل تكاليف التغيير لصنع نموذج محلي مستقل.
  • الأحداث الأخيرة (أوكرانيا، كأس العالم، غزة) أظهرت ازدواجية المعايير الغربية وأعطتنا فرصة لإعادة التفكير باستقلالية ثقافية وسياسية.

توصيات موجزة للتطبيق العملي

  1. إعادة صياغة مناهج التعليم لتخدم حاجات المجتمع وتُدمج القيم المحلية مع المعارف العالمية.
  2. تعديل معايير تقييم الجامعات بحيث تُكافئ البحوث ذات الأثر المجتمعي المباشر.
  3. إقامة مؤسسات وطنية للحوار تُعنى بالمسائل الجدلية وتجمع الأطراف المختلفة عبر قواعد واضحة للمناظرة.
  4. تبنّي قوانين تضمن الحرية مع حماية العدالة وحقوق الأطراف جميعاً.
  5. تدريب القادة والمسؤولين على إدارة التغيير وتحمل المخاطر المحسوبة.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

هل هذا يعني رفض الحرية تماماً داخل المجتمع الإسلامي؟

لا. الحرية قيمة مهمة لكنها تحتاج إلى إطار. نرفض الحرية المطلقة الغير متعلق بالعدالة، وندعو إلى حرية مسؤولة تُؤخذ بعين الاعتبار حقوق الآخرين ومصلحة المجتمع العام.

كيف نحدد ما هو “عدل” في قضايا جدلية مثل حقوق المرأة أو اللباس؟

لا توجد وصفة سحرية؛ لكن العملية المثلى تبدأ بالحوار الشامل الذي يضم جميع الأطراف المتأثرة. العدالة هنا تُبنى عبر مبدأ حقوقي يوازن بين حقوق ومصالح الطرفين، مع الاستناد إلى مرجعية متفق عليها (دينية أو ثقافية) والمعايير الدولية المتعارف عليها عند القابلية للاتفاق.

هل نستطيع فعلاً إنتاج نموذج تعليمي مستقل؟

نعم، لكن يحتاج ذلك إلى إرادة سياسية جريئة، تقويم حقيقي للاحتياجات المحلية، مشاركة الخبراء والمجتمع، وتراجع عن فكرة أن أفضل ما لدى العالم هو بالضرورة الأفضل لنا دون تعديل. البدء بمشاريع تجريبية محلية وتقييمها سنوياً طريقٌ عملي.

ما موقفنا من حرية التعبير إذا تعارضت مع القيم المجتمعية؟

حرية التعبير مهمة لكنها ليست مطلقة. عندما يتعارض التعبير مع حقوق الآخرين أو يقوض من سلامة المجتمع، يجب أن تضع القوانين حدوداً واضحة تحفظ التوازن. التحدي الحقيقي هو تحديد حدود عقلانية وشفافة لا تُستغل لقمع المعارضين.

كيف نواجه الضغوط الدولية التي تفرض “حقوقاً” تعتبرها مجتمعاتنا ثقافية؟

نرد بحوار نقدي ومؤسساتي. لا نرفض كل شيء كلياً، لكننا نطلب حق التفاوض والحوار. استخدام المنابر الدولية لتوضيح اختلاف السياقات وتقديم بدائل يعزز مواقفنا. كذلك نعمل على بناء تحالفات مع دول ومجتمعات تشاركنا نفس الرؤى.

كيف نغيّر نظام تقييم الجامعات دون خسارة التمويل؟

الخطوة الأولى هي إقناع صانعي القرار بأن التمويل يجب أن يعود بالنفع على المجتمع. يمكن إنشاء أنظمة تمويل مختلطة تُدعم البحوث التطبيقية المحلية وتُحفِّز النشر الدولي المتوازن. لا يجب أن يكون التصنيف هو العنوان الوحيد.

ما دور المواطن البسيط في هذا التغيير؟

دور المواطن كبير: المشاركة في النقاش العام، دعم المؤسسات المحلية، تشجيع مُخرجات علمية مفيدة، والمطالبة بمساءلة المسؤولين. التغيير ليس فقط من القمة بل من القاعدة أيضاً.

خاتمة

الحرية والعدالة علاقة تكاملية لا صراعية. الحرية بلا عدالة تفقد معناها، والعدالة بلا حرية تصبح قسرية. نحن بحاجة إلى رؤية متوازنة تُتيح الحريات في إطار مرجعي عادل يحافظ على حقوق الجميع ويُصنع نموذجاً معرفياً وتربوياً وثقافياً يتناسب مع خصوصياتنا. الأحداث العالمية كشفت نقاط ضعف نموذج الحرية الغربي، ومنحتنا فرصة لإعادة التفكير واستعادة قدرتنا على الإبداع الحضاري. أتمنى أن يكون هذا المقال خطوة في اتجاه حوار جاد وبناء يضع المجتمعات الإسلامية في موقع منتجٍ لا مستهلك نماذج جاهزة.

د. نايف بن نهار

انضم إلى قناة سدين على يوتيوب

حيث نطرح أفكارًا جديدة، ونفكك الموروث، ونعيد قراءة النصوص الدينية بعيون العقل والعلم

👉 اضغط هنا للانتقال إلى القناة

 

Share >>

مواضيع متميزة

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

في هذه المادة أتحدث معكم كمتابع وكداعية لنقطة أساسية قد يغفل عنها كثيرون: الصلاة ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة تقود إلى غاية أعمق وأسمى.…

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

في هذا المقال يتناول د. يوسف أبو عواد موضوعًا بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في مدلولاته: لماذا يذكر القرآن بني إسرائيل بهذا القدر من التكرار؟…

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

جدول المحتويات مقدمة في هذا المقال أقدم قراءة موسعة ومستفيضة لما طرحه الباحث د. وحيد بو عزيز في عرضه على قناة مجتمع Mujtama، حيث كشف…

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

في هذه المقالة أقدّم قراءة مركّزة ومفصّلة لكتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم” للمفكر الراحل الدكتور محمد شحرور. هدفي هنا أن أنقل أفكار الكتاب بلغة واضحة،…

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

جدول المحتويات مقدمة: لماذا هذا الحديث مهم ومن يتحدث؟ في هذه المادة أعرض خلاصة حديثي مع محمد الحداد حول “الإمكانات الموجودة لخنق الاحتلال”. أتحدث هنا…

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

في هذا المقال أتحدث الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن،  في تاريخ القضاء والشريعة في مصر: كيف وأسباب تعيين مفتي في مصر لأول مرة…

اشترك معنا ليصلك كل جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Toggle Dark Mode