عندما يخون الحلفاء: هذا ما لم يُقال عن إيران وغزة

في زمن التصعيد والدم، ومع استمرار المجازر اليومية في غزة، تزداد الدعوات للانحياز والاصطفاف، وكأننا أمام معركة بين “خير” و”شر”. لكن الحقيقة، حين ننزع عنها العاطفة، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: نحن أمام صراع بين مشاريع لا ترى في شعوب المنطقة سوى أدوات، ومصالح، وأوراق ضغط.

أول ما يجب أن نقر به هو أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال الاصطفاف مع الكيان الصهيوني، لا سياسيًا ولا إنسانيًا. فالتاريخ والحاضر واضحان: احتلال، قتل، تهجير، حصار، ومشروع قائم على العنصرية والدم. ومن ينحاز لهذا الكيان، ينحاز ضد الإنسان، والكرامة، والحياة.

لكن بالمقابل، لا يجوز أن ننخدع بأعداء هذا الكيان فقط لأنهم يرفعون شعارات ضده. هنا تبرز إيران كمثال صارخ. فهل يعقل أن نغض الطرف عن سجلّها الإجرامي في المنطقة، فقط لأنها ترفع شعارات “الموت لإسرائيل”؟ هل ننسى ما فعلته في العراق من تغذية الطائفية، وقتل مئات الآلاف، وتمزيق المجتمع؟ هل نتجاهل دعمها المباشر لنظام بشار الأسد الذي مارس أبشع الجرائم ضد شعبه، من قصف بالبراميل الكيميائية إلى التهجير والتجويع والإبادة؟ ماذا عن دعمها للميليشيات العابرة للحدود، التي استخدمت الدين غطاءً للدمار؟

الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تجميلها بخطاب سياسي أو ديني. ومن ارتكب المذابح في الشام والفلوجة وحمص وحلب، لا يمكن أن يُنظر إليه كمحرر لفلسطين. لأن الظلم لا يلد عدلًا، ولا الإجرام يصنع نصرًا حقيقيًا.

الأدهى أن من يدّعون نصرة فلسطين، لم يذكروها حتى في لحظة الحقيقة. خطاب الرئيس الإيراني الأخير في 16 يونيو، وسط مجازر غزة، لم يتضمن حتى اسمها. ولا نقول ذلك ملامة، بل تأكيد على أن فلسطين ليست جزءًا من الأولويات الفعلية، بل تُستخدم فقط كأداة حين تقتضي الحاجة.

حزب الله، الذي لطالما قدّم نفسه كمقاومة، بقي على خطوط التماس لعام كامل دون فعل جاد. لم تطلق الصواريخ حيفا وما بعد حيفا إلا بعد العدوان الصهيوني على إيران، فلو كانت فلسطين حقًا في القلب، لكان الفعل سابقًا لا تابعًا.

ومن هنا نفهم بوضوح: لا يمكن أن يأتي الفتح والنصر من فئة ظلمت وأفسدت وسفكت الدماء في العراق وسوريا واليمن ولبنان، قبل أن تتحدث عن تحرير فلسطين. لا أحد يزرع الخراب في أرض ثم يقطف الثمار في أرض أخرى.

لكن لنعترف بمرارة أكبر: الكارثة في فلسطين ليست فقط بسبب العدو ولا من يدّعي عداوته، بل منّا نحن، من حكوماتنا التي تخلّت، وسكتت، بل وربما تواطأت. الصمت العربي الرسمي هو الغطاء الحقيقي للجرائم التي تُرتكب اليوم في غزة. ومَن خذل فلسطين لعقود، لا يحق له اليوم أن يُنظّر على الشعوب كيف تقاوم أو لمن تنتمي.

لذا، وقبل أن نتساءل: مع من نقف؟ علينا أن نسأل: من يقف أصلًا معنا؟ من يرى فينا أكثر من أداة؟ من يضع كرامة الإنسان، لا المذهب ولا الأجندة، في مقدّمة مشروعه؟

الجواب الصادق قد يكون موجعًا، لكنه ضروري. فالاتصال بالواقع هو أول خطوة نحو الوعي. أما العاطفة، حين تنفصل عن الحقائق، فإنها تقودنا دومًا إلى مواقف كارثية، وإلى دعم أنظمة ومشاريع لا ترى فينا إلا وسيلة، لا غاية.

الخلاصة: لا تصطف مع قاتلك لأنه “يكره” عدوك، ولا ترفع شعار “الظالمين بالظالمين” بينما أنت الضحية الوحيدة بينهم. كن على وعي أن معركتك ليست مع طرف ضد طرف، بل مع مشروع يحترم الإنسان، في وجه مشاريع دهسته شرقًا وغربًا.

 

Share >>

مواضيع متميزة

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

الغاية الحقيقية من الصلاة: لماذا نصلي وما الذي يجب أن توصله الصلاة في حياتنا؟

في هذه المادة أتحدث معكم كمتابع وكداعية لنقطة أساسية قد يغفل عنها كثيرون: الصلاة ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة تقود إلى غاية أعمق وأسمى.…

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

لماذا يتحدث القرآن عن بني إسرائيل كثيرًا؟ قراءة في قوله: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين…”

في هذا المقال يتناول د. يوسف أبو عواد موضوعًا بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في مدلولاته: لماذا يذكر القرآن بني إسرائيل بهذا القدر من التكرار؟…

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

ينجح بنزيمة فيُقال فرنسي.. يخطئ فيُقال جزائري! عنصرية باريس كما يراها بو عزيز!

جدول المحتويات مقدمة في هذا المقال أقدم قراءة موسعة ومستفيضة لما طرحه الباحث د. وحيد بو عزيز في عرضه على قناة مجتمع Mujtama، حيث كشف…

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

“الإسلام والإيمان: منظومة القيم” لمحمد شحرور — قراءة تأملية وموسعة

في هذه المقالة أقدّم قراءة مركّزة ومفصّلة لكتاب “الإسلام والإيمان: منظومة القيم” للمفكر الراحل الدكتور محمد شحرور. هدفي هنا أن أنقل أفكار الكتاب بلغة واضحة،…

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

الإمكانيات الموجودة لخنق الاحتلال — خطة متكاملة للمواجهة | د. نايف بن نهار

جدول المحتويات مقدمة: لماذا هذا الحديث مهم ومن يتحدث؟ في هذه المادة أعرض خلاصة حديثي مع محمد الحداد حول “الإمكانات الموجودة لخنق الاحتلال”. أتحدث هنا…

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

“أرادت أن تُقنع المصريين بأنها جاءت من أجل الإسلام” — قراءة في سيرة المفتي ودور القضاء في مصر

في هذا المقال أتحدث الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن،  في تاريخ القضاء والشريعة في مصر: كيف وأسباب تعيين مفتي في مصر لأول مرة…

اشترك معنا ليصلك كل جديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Toggle Dark Mode